يبدو أن إعلان المدعية العامة للمحكمة الجنائية الدولية في 13 مايو/أيار بأنها ستعيد فتح "التحقيقات المبدئية" في مزاعم جرائم الحرب البريطانية بالعراق، قد أدهش الكثيرين في بريطانيا. لكنه أقل إثارة للدهشة لأي شخص تابع عن كثب عرقلة السلطات البريطانية للتحقيق في مزاعم بلا حصر لانتهاك حقوق المحتجزين في العراق على يد قواتها.

المملكة المتحدة دولة مؤسسة وداعمة قوية للمحكمة، لكنها كثيراً ما تتردد في تطبيق المبادئ التي تروج لها بريطانيا خارجياً، داخل أراضيها. وعلى وجه التحديد، لم تبدر مؤشرات على أن السلطات البريطانية قد طبقت يوماً المبدأ الرئيسي للعدالة الجنائية الدولية، المُسمى "مسؤولية القيادة" – أي محاسبة القادة العسكريين والمدنيين على جرائم الحرب التي يرتكبها مرؤوسون لهم.

في 2006 قرر المدعى العام الخاص بالمحكمة – السابق على المدعية العامة الحالية – التحقيق في حالات انطوت على مزاعم بانتهاكات لحقوق المعتقلين طرف قوات بريطانية في العراق. وقال إنه يبدو أن تلك الحالات تمثل جرائم حرب، لكن ليست الأعداد كافية لبدء تدخل من المحكمة الجنائية الدولية. والآن، ولا سيما منذ مغادرة القوات البريطانية للعراق، ظهرت المئات من المزاعم الإضافية، من معتقلين سابقين وأقاربهم.

تم توثيق تلك المزاعم في مذكرة مطولة مقدمة للمحكمة في يناير/كانون الثاني من طرف المركز الأوروبي للحقوق الدستورية وحقوق الإنسان، وهي منظمة مقرها برلين، ومن محامين مهتمين بالصالح العام. لذا فمن الملائم أن يعيد الادعاء فتح تحقيقه، والحق أن على بريطانيا ألا تتوقع غير هذا، إذا كانت دولة أخرى قد ووجهت بمثل هذه المزاعم.

ومن الأمور الأساسية، بالنسبة لادعاء الجنائية الدولية وتقييمه للأمر، وأيضاً من حيث نهج بريطانيا في التعاطي مع العدالة، هو ما إذا كانت السلطات البريطانية على استعداد ولديها القدرة لإجراء تحقيقات مناسبة في جرائم الحرب المزعومة، حتى سلسلة القيادة، وأن تلاحق جميع المسؤولين عن جرائم. يجب على السلطات البريطانية أن تكون قادرة – إذ أن لديها الموارد والخبرات اللازمة – لكن على مدار السنوات العشر الأخيرة أظهرت بوادر قليلة للغاية على مسار إقبالها على التحقيق والمقاضاة في هذا الشأن. لم تطرأ أية ملاحقات قضائية تُذكر، وأحدث محاولة للتحقيق – فريق المزاعم التاريخية العراقية – ظهرت منها أقل البوادر على ما يمكن أن يؤدي إلى ملاحقات قضائية حقيقية. الواقع أن محكمة بريطانية قد فصلت العام الماضي بالحكم بأن فريق المزاعم التاريخية العراقية ليست لديه البنية اللازمة لاتخاذ قرارات بشأن الملاحقات القضائية "بشكل سريع وكفؤ".

هناك مشكلتان أساسيتان تحولان دون إحقاق العدالة، ورفض التحقيق مع القادة واحدة منهما. عندما انضمت بريطانيا إلى المحكمة الجنائية الدولية أصدرت أيضاً قانون المحكمة الجنائية الدولية، الذي أدمج مسؤولية القيادة بمتن القوانين البريطانية. ورد في هذا القانون أن القادة العسكريين والمدنيين يتحملون المسؤولية الجنائية على جرائم الحرب التي يرتكبها مرؤوسوهم إذا كانوا يعرفون أو لهم أن يعرفوا بها وأخفقوا في اتخاذ خطوات مسؤولة لمنعها أو لرفع المسألة للتحقيق الجنائي والملاحقة القضائية. هذه المسؤولية تمتد إلى أرفع مستويات القيادة.

ولبريطانيا سجل رديء في محاسبة كبار الساسة والعسكريين جنائياً على الجرائم الجسيمة التي ترتكبها قواتهم، ويبدو أن آخر مرة حدثت فيها ملاحقة من هذا النوع كانت عام 1651 أثناء الحرب الأهلية البريطانية. الحق أن، يبدو أن لا أحد يعرف إن كان رئيس الوزراء يتحمل قانوناً مسؤولية القيادة عن القوات المسلحة، إذ لم يتم تناول هذا الموضوع مطلقاً.

على أن مسؤولية القيادة مبدأ قائم منذ زمن طويل، من بين مبادئ العدالة. لابد من تطبيقه على تحقيقات العراق لأن الجرائم المزعومة تمتد على مسار أعوام دون أية بادرة على محاولة وضع حد لها. يجب أن يتوصل التحقيق الجنائي إلى سلسلة القيادة الكاملة، حتى القادة المدنيين المتحملين للمسؤولية العليا. ويجب أن يحدد ما إذا كان القادة عرفوا أو لهم أن يعرفوا بالانتهاكات بحق المعتقلين، بما في ذلك من خلال تقارير الصليب الأحمر السرية والشهادات الواردة في الإعلام، وأن يعرف ما الذي فعلوه لوقف الانتهاكات، وإن كانوا قد تعاونوا بالكامل مع الادعاء أو حاولوا عرقلة التحقيقات الجنائية. ولكن، لا توجد بادرة على مثل هذه التحقيقات. حتى في قضية بهاء موسى، التي توصل تقرير عام فيها لأن جنود بريطانيين ضربوا موظف استقبال بفندق حتى مات بعد أيام من الإساءة إليه في مركز احتجاز، فلم تتم مقاضاة قائد واحد بموجب مبدأ مسؤولية القيادة.

وعلى صلة بالتردد في محاسبة كبار المسؤولين، هو الافتقار إلى الاستقلالية بالنسبة للمحققين الجنائيين ومسؤولي الادعاء، بشكل يجعلهم لا صلة لهم بمن يحققون معهم، بمن فيهم كبار القادة العسكريين والسياسيين. ولقد اتضح هذا الأمر في حُكم مهم صادر عن المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان عام 2011. في الحكم الخاص بقضية السكيني، خلصت المحكمة إلى أن المحققين في مزاعم أعمال القتل غير القانوني التي ارتكبتها قوات بريطانية في العراق كانوا ضمن سلسلة القيادة العسكرية ومن ثم يفتقرون إلى الاستقلالية. رغم أن تغيراً إيجابياً واحداً في السنوات العشر الأخيرة كان سن منصب مدير خدمة الادعاء المدني، فإن السلطة النهائية على مسؤولي الادعاء الأفراد ما زالت منوطة بالنائب العام، وهو منصب سياسي لصيق الصلة بالحكومة. من غير المثير للدهشة إطلاقاً عدم وصول ساسة إلى التحقيق، مع قدرة موظف حكومي على عرقلة الملاحقات القضائية الخاصة بهم.

الحق أن رد النائب العام دومينيك غريف كاشف، وهو الشخص الذي اختارته الحكومة للرد على المحكمة الجنائية الدولية. لم يكتف النائب العام بوصف نفسه بأنه المسؤول عن وكلاء النيابة، إنما أحس أيضاً بالحاجة إلى تكرار شعار الحكومة ومفاده أن القوات المسلحة البريطانية "هي من بين القوات الأفضل في العالم". من الصعب التوفيق بين هذه الأقوال من شخص مسؤول عن وكلاء النيابة على جانب، وضمان تحقيقات محايدة ومستقلة على الجانب الآخر، تؤدي إلى تبين الحقائق، وإتاحة فرصة مقاضاة القادة الأرفع رتبة في سلسلة القيادة.

لقد تكررت محاولة السلطات البريطانية التكتم على مزاعم انتهاكات القوات البريطانية في العراق. لكنها لن تختفي إلى أن يتم إجراء تحقيق كامل ومستقل فيها. وقرار ادعاء المحكمة الجنائية الدولية في لاهاي يجب أن تعامله السلطات البريطانية بمثابة تحذير واضح بأن عليها أن تبدأ فعلاً في تطبيق مبادئ القانون البريطاني الخاص بالمحكمة الجنائية الدولية داخل أراضيها.