تعاطي المخدرات وأضرارها على المجتمع وموقف القانون الدولي منها.

                          

                                د.عامر الدليمي

                               قانون دولي عام

تعاطي المخدرات وأضرارها على المجتمع وموقف القانون الدولي منها.

المخدرات من المشاكل التي يعاني المجتمع المحلي والدولي منها لمخاطرها وأضرارها، علىٰ من يتعاطيها لغير الأغراض الطبية، لأنها تهدد الفرد والمجتمع في حياته، لذا بات من الضروري التصدي لترويجها بأي صورة كانت، وتكمن خطورتها ألاكثر على شريحة الشباب ، كونهم أساس بناة المجتمع وتقدمه وحيويته ونشاطه، وألاعتماد عليها في التنمية وألإبداع، إضافة لإحتمال إقدام متعاطيها على إرتكاب جريمة دون قصد جنائي بسبب غياب الوعي لديه، وثاثيرها على الدماغ والجهاز العصبي.

والمخدرات مادة نباتية أو مصنعة من مواد متنوعة تحتوي على عناصر منومة أو مسكنة أو مفترة، وإذا ما استخدمت لغير الأغراض الطبية في معالجة الأمراض أو العمليات الجراحية فإنها تعتبر محرمة وتُصيب الجسم بالفتور أو الخمول، وتشل حركة أعضائه ونشاطه، كما تصيب الجهاز العصبي المركزي والجهاز التنفسي، وتعاطيها بإستمرار أو لعدة مرات تؤدي إلى حالة التعود عليها أو ما يسمىٰ (ألإدمان)، مسببة أضراراً عدة ومن الصعب ألإقلاع عنها أو تركها إلا بإجراءات معينة.
وفي تعريف للمخدرات :- أنها مادة تُذهب العقل بشكل كلي أو جزئي، سواء أكانت طبيعية كالحشائش المزروعة أو مصنعة تجعل المتعاطي غير مدرك لما يفعله، مع أنها تجعل من يتناولها بالإرتياح أحيانًا وتحقيق لذةً مؤقتة ( زائفة)، مع تسببها تأثيرات وأعراض خطيرة وغير متوقعة، ويعتمد تأثيرها في الجسم على عدة عوامل منها :_ نوع وكمية المادة المستهلكة، أو دمج أنواعها، ووقت تعاطيها، أو قدرة الجسم وحالة الشخص الصحية.
و المخدرات في التشريع الإسلامي : _ هي المفترات التي تُغيب العقل والحواس دون أن يصيب ذلك النشوة والسرور، أما إذا صَحَبت ذلك نشوة فإنها مُسكرات. والمسكرات بكل أنواعها ومسمياتها محرمة في الشرع.
أما في القانون :_ المادة المخدرة ممنوع منعاً باتاً تداولها أوتعاطيها أو الإتجار بها، وهي محرمة قانوناً.
وهناك آسباب عديدة لتناولها قد تكون بسبب ظروف شخصية تتعلق بذات الفرد، أو حالات دفعته بسبب مؤثرات خارجية أحاطت به. منها :_
1. الجهل بمخاطر المخدر، قد يلجأ الشخص إلى تعاطي المخدر ضنأمنه أن لاخطورة عليه، وأن تعاطيه للمتعة المؤقته، دون الإلتفات إلى آثاره السلبية على حياته.
2. محاولة الهروب من مشاكل شخصية أثرت عليه و عدم إستطاعته معالجتها عن طريق العقل والتصرف الموزون، أو الطلب من المقربين إليه والموثوق بهم مساعدته لحل مشاكله.
3. عدم الإنسجام العائلي، والمشاكل فيها كالعامل الاقتصادي أو العاطفي، أو التربوي الذي قد يسبب تفككها أو إعتلال في أحد مقوماتها يؤدي إلى مناخ غير سليم.
4. مصاحبة ومجالسة أصدقاء السوء، فللصداقة تأثير أيجابي أو سلبي، وصديق السوء هو من تصدر منه تصرفات وسلوكيات خاطئة، لأن ميزان ألإنسان أصدقائه، والناس تعرف الصالح من الطالح، و صحبة الطالح تؤدي إلى تناول المخدرات، إذ أن رفيق السوء يسبب مخاطر ومشاكل، خاصة في فترة المراهقة للشباب.
5. ضعف في التربية الدينية، والتنشئة العائلية، إن ضعف الوازع الديني والتربية البيتية لأفراد الأسرة تؤدي إلى سلوكيات منحرفة، لأن أساس الدين الدعوة إلى الخير والموعظة الحسنة، وتوجيه الأفراد نحو الخير وإصلاح النفوس وحب الآخرين، وإن تناول المخدر له سلوك سلبي وظاهرة مرضية تهبط القيم الروحية والاخلاقية.
6. غياب التعليم والتوعية، من قبل مؤسسات الحكومة والمجتمع المدني، إن من أحد الاسباب المؤدية لتناول المخدرات في المجتمع هي ضعف التوعية للأضرار التي تصيب الفرد والمجتمع، والمخاطر التي تسببها كأفعال تتعلق بأمن الفرد والمجتمع، كإرتكاب جرائم قتل او سرقة أو إعتداء على الناس الآمنين.
.7. فشل الشخص في تحقيق مشاريع أو طموح معين أو رغبات،إذ لكل إنسان في الحياة رغبة معينة يسعىٰ لتحقيقها وعندما يجد نفسه لايستطيع أنجازها ربما تسبب له صدمة نفسية لا يتحملها، فيلجأ إلى تعاطي المخدر للتخفيف عن معاناته في الوقت الذي عليه أن يحاول مرة وأخرى لتحقيق طموحه، وعدم الركون إلى اليأس ففي الحياة مجالات كثيرة ومتعددة.
8. إصابة الشخص بإنتكاسات وصدمات وحالات لايستطيع تحملها لذلك يحاول التخفيف من آثارها كمرحلة مؤقتة باللجوء إلى تناول المخدر، عسىٰ أن يخفف من وطئتها، وإذا ما إستمر على تناوله فمن الصعب الإنفكاك عنه ولذلك سيقع في حالة ألإدمان وستكون أكثر ضرراً. وهناك حالات كثيرة تسبب اللجوء إلى تناول المخدر وحسب ظروف الشخص والحالة التي يعيش فيها او الظروف المحيطة به وتختلف من شخص لآخر.

ومن الأضرار التي تسببها تعاطي المخدرات كثيرة ومتعددة بكل أصنافها وأشكالها ولها ثأثير مباشر على الفرد والعائلة والمجتمع، وسلوكيات خارجة عن العرف الاجتماعي السليم ومن هذه الأضرار :-
1. تسبب فقدان الذاكرة للإنسان وضعف في القدرة العقلية وضعف التركيز.
2. تسبب النوم لساعات طويلة وفقدان الوعي للإنسان.
3. تغيير في سلوك الإنسان في التعامل الخارجي وإضطراب في المزاج بشكل سريع.
4. حدوث مشاكل في العائلة والعمل مما تسبب تأثير سلبي على علاقته وعمله.
5. عدم الاعتناء بشخصيته ومظهره الخارجي وبصحته مما تؤثر على أدائه في الحياة.
6. تأثيرها على الخلايا العصبية في الجسم وتسبب حالات العجز والإعاقة.
7. إهدار المال المخصص للعائلة وحاجاتها المعيشية، والإنفاق لشراء المخدر وإحتمال لجوء المتعاطي إلى اسلوب يقوده لسلوك منحرف.
8. يؤدي المخدر إلى إضطراب نفسي وقلق وشعور بعدم الارتياح، وشد عصبي غير مبرر.
9. الهلوسة الفكرية والسمعية والبصرية وعدم التوازن العصبي والقدرة على التكييف مع المجتمع.
10. فقدان المدمن صورته كإنسان قدوة في مجتمعه، إلى إنسان سيئ قد تجعله مجرم يرتكب مخالفات قانونية ويسبب
مشاكل إجتماعية.
هذه الاسباب جعلت العالم الإنتباه الى ضرورة إيجاد حلول للتصدي لها ومنع إستعمالها إلا لضرورات طبية وعلاجية بإصدار قوانين عالمية للحد من تناولها أو الإتجار بها، أو صناعتها، أو لأي غرض آخر إلابترخيص قانوني.وقد ورد في نصوص الاتفاقيات الدولية لمكافحة المخدرات لعام 1962م،1971م، 1972م، 1988م، جاء فيها:_ إذ يساورها بالغ القلق إزاء جسامة وتزايد إنتاج المخدرات والمؤثرات العقلية والطلب عليها وألإتجار فيها بصورة غير مشروعة مما تشكل تهديداً خطيراً لصحة البشر ورفاههم وتلحق الضرر بالأسُس الاقتصادية والثقافية والسياسية للمجتمع. وفي مادة أخرى جاء فيها، المخدرات تُصيب الفرد وخطراً أجتماعياً يهدد الإنسانية ومشاكل صحية في مختلف فئآت المجتمع، خاصة الأطفال بإعتبارهم سوقاً غير مشروعة للإستهلاك. كما ورد في المادة( 20) من إتفاقية مكافحة المخدرات لعام 2017م فقد أشارت إلى العمل على التعاون الدولي للتصدي لمشكلة المخدرات ومواجهتها، وأن يعمل المجتمع على مجموعة من التدابير الوقائية في مواجهة إستعمال المواد المخدرة للسيطرة عليها من خلال الاتفاقية الدولية، وخاصة طرق وأساليب مرتكبي جرائم المخدرات من التهريب. كما أشارت الأمم المتحدة في المادة ( 8،55)من إتفاقية مكافحة المخدرات لعام 1988م على تفكيك الجماعات الإرهابية المنظمة المتورطة في الإتجار بالمخدرات لمنع مرتكبي هذه الجرائم والكشف عنهم والتحقيق معهم ومحاكمتهم، كما أشارت إتفاقية عام 2017م لنفس المضمون.
أما الإتفاقية العربية لمكافحة المخدرات جاء فيها : _ إذ تؤمن بأهمية تقوية وتعزيز الوسائل القانونية الفعالة للتعاون العربي الثنائي ومتعدد الأطراف والإقليمي والدولي بالمسائل الجنائية لغرض منع الأنشطة الإجرامية الدولية وألإتجار غير المشروع بالمخدرات والمؤثرات العقلية، وقد صادق عليها مجلس الجامعة العربية بقراره ( 4218) في 1982/9/23م، كما جاء بالاتفاقية العربية لمكافحة الاتجار غير المشروع بالمخدرات والمؤثرات العقلية المادة (2) وفقراتها، يتخذ كل طرف مايلزم من تدابير لتجريم الأفعال التالية في قانونه الداخلي في حال إرتكابها قصداً إنتاج أي مخدر أو مؤثرات عقلية أو صنعها أو إستخدامها أو تسليمها أو تسلمها أو حيازتها أو إرسالها أو إستيرادها. ...إلخ. كما نصت في فقرة أخرى، تجريم من حاز أو إشترىٰ أو إستورد أو ّصدر مواد مخدرة خلافاً لما هو مرخص به قازوناً.
وأكد مجلس الداخلية العرب بدورته الخامسة في تونس بقراره رقم( 72) الصادر في 1986م/2/12، وإتفاقية الرياض في المملكة العربية السعودية لوزراء العدل العرب في 1983م /6 /4، على مكافحة المخدرات، وتعزيز الوسائل القانونية وإتخاذ ما يلزم من تدابير لتجريم الأنشطة غير المشروعة للأتجار بها .... وجاء في المادة (33) من قانون العقوبات المصري، يعاقب كل من يقوم بممارسة تجارة المخدرات بالسجن المؤبد إلى الإعدام، ويعاقب متعاطي المخدرات بالحبس لمدة سنة كما تزيد العقوبة لمدة سنتين، إذا ألقي القبض على متعاطي المخدر في مكان مخصص أوتم إعداده لتناول المواد المخدرة. وجاء في مشروع قانون مكافحة المخدرات والمؤثرات العقلية الأردني رقم 24 لسنة 2021م المادة (9) يعاقب كل من تعاطىٰ أو أدخل أوجلب أو هرب أو إستورد أو حاز أو إشترىٰ مخدرات.. بالحبس مدة لاتقل عن سنة ولا تزيد عن ثلاثة سنوات، وبغرامة لا تقل عن ألف دينار ولا تزيد عن ثلاثة آلاف دينار. وفي سنة 2017م صدر في العراق قانون مكافحة المخدرات والمؤثرات العقلية رقم (50) وجاء في المواد ( 27_38) يعاقب بالإعدام والسجن المؤبد والحبس وحجز الأموال المنقولة وغير المنقولة، إلا أن هذا القانون لم يفعل بصورة حقيقية ومحاسبة من يتاجر او يتعاطىٰ بهذه المادة ويلاحظ تعاظم ظاهرة مخيفة في تداول وتناول المخدرات وحتىٰ بصورة علنية بين أوساطه الشباب ، ولربما هناك قصد معين في عدم منعها ، حتىٰ أن وزير الداخلية العراق صرح من على شاشات وسائل الإعلام العراقية المرئية والمسموعة إذ قال أن نسبة تعاطي المخدرات في المجتمع العراقي بلغت (50) خمسين بآلمائة ، وخاصة بين الشباب، إذ أنها ترسخت فيه. إن عدم إتخاذ إجراءات ردع قانونية أو عدم وجود توعية لمكافحة هذه الظاهرة هي جريمة مضاعفة بحق الشعب العراقي من قبل السلطة واجهزتها المختصة وتتحمل السلطة مسؤلية أخلاقية وإنسانية، في حين كان العراق خالي من المخدرات قبل الاحتلال الامريكي له بسبب الأجراءات والعقوبات القانونية المشددة لكل من يتاجر بها أو يتناولها ، كما أن الأنظمة في دول العالم ما زالت تعمل على الحد من نشاطها وتعاطيها حفاظاً على أمن مجتمعاتها.

  • قراءة 634 مرات
الدخول للتعليق